كنوز تخت فولاد

المناحي الروحية والعبادية لتخت فولاد

كانت هذه الأرض من أقدس مقابر العالم الإسلامي في مختلف الأدوار التاريخية، ومركز اهتمام رجال الدين والعامة من الشعب. وقد زادها شرفاً المرقد المنسوب إلى يوشع النبي (ع)، كما أضفت عليها طابع القداسة مضاجعُ كثير من رجال الدين والصوفية، وأخيراً قبور شهداء الثورة الإسلامية الإيرانية والحرب المفروضة. فكل هذا جعل تخت فولاد مكاناً روحياً يُحيي كثيرٌ من الناس لياليَهم للعبادة والابتهال فيها. وقد جاء في المصادر التاريخية المتعلقة بالعهد القاجاري أن أصفهان أجدبت آنذاك، فخرج رجال الدين مع الناس إلى تخت فولاد، وأدّوا فيها صلاة الاستسقاء؛ ولم تكد تنتهي الصلاة حتى انهمرت الأمطار.

كما زادت إقامة صلوات العيدين: الأضحى والقربان الجانبَ الروحي لهذه الجبّانة المقدسة.

 

2ـ الكثرة الكاثرة للمشاهير المدفونين في تخت فولاد

وارى ترابُ هذه الأرض الشريفة جثامين مشاهير كثر من رجال الدين والصوفية والأدباء والشعراء والفنانين طوال التاريخ، مما يجعلها محط زيارة الناس. فهناك أكثر من ألف شخصية بارزة مدفون في تخت فولاد؛ منهم: بابا ركن الدين (المتوفى 769هـ/1367م)، أبوالقاسم مير فِندِرِسكي (1050هـ/1640م)، الميرزا رفيعا النائيني (1082هـ/1671م)، آقا حسين الخوانساري[1] (1098هـ/1686م)، ميرمحمدإسماعيل الخاتون‌آبادي صاحب التفسير الكبير (1116هـ/1704م)، آقا جمال‌الدين الخوانساري (1122هـ/1710)، محمد بن عبدالفتاح التُّنِكابُني الشهير بـالسراب (1124هـ/1712م)، بهاء الدين محمد الأصفهاني المشتهر بـالفاضل الهندي (1135هـ/1722م)، الدرويش عبدالمجيد (1185هـ/1771م) وهو أستاذ بلامنازع لخط النستعليق المكسور[2]، الحكيم آقا محمد بيدآبادي (1197هـ/1782م)، الحاج صادق تخت فولادي (1290هـ/1873م)، آقا محمدكاظم واله الأصفهاني (1299هـ/1881م)، آقا الميرزا محمدباقر جَهارسوقي صاحب روضات الجنات (م 1313هـ/1895م)، جهانكير خان القشقائي (1328هـ/1910م)، الحاج الميرزا آقا إمامي فنّان في مجال المنمنمات (1375هـ/1955م)، سيدمحمد صدر هاشمي الكاتب والبيبليوغراف (1384هـ/1964م)، ومن النساء: نَسَمه خاتون بنت الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1295هـ/ 1878م تقريباً) والستّ نصرة السادات أمين (السيدة المجتهدة في العالم الإسلامي) (م 1403هـ/1982م).

 

3ـ تنوع التصاميم والأساليب المعمارية للبنايات في مختلف العصور التاريخية

تكتسب تخت فولاد أهمية خاصة، وذلك لوجود عدد كثير من القطع[3] والقبور والمساجد وخزانات المياه والخانات والأحواض الحجرية المدورة والأسبلة للشرب التي لها تنوع كثير في الأساليب المعمارية والتصميم.

يمكن تقسيم القطع حسب التاريخ على الغرار التالي:

1ـ الحقبة الصفوية:

بقيت من هذه الحقبة سبع قطع، هي: بابا ركن الدين، خوانساري، الميرزا رفيعا، خاتون‌آبادي، مير فِندِرِسكي، السراب (وهو لقب محمد بن عبدالفتاح التُّنِكابُني)، آقا رضي.

ولهذه القطع المتبقية من العصر الصفوي تصاميم وزخارف خاصة، إضافة إلى تنوع معماري في كل قطعة مما قلّ نظيرها في سائر القطع.

 

2ـ العهد القاجاري:

القطع المتبقية منها تبلغ 20 قطعة، أهمها: الشيخ محمدتقي الرازي، آقا محمد بيدآبادي، الميرزا أبوالمعالي الكلباسي، تُويسِركاني، الحاج محمدجعفر آبادئي، سيد العراقين، الحاج آقا مجلس، كازِروني.

والتصميم المعماري لهذه القطع مشابه لبنايات الفترة الصفوية. بعضها مثمن الأضلاع مبني على سبعة أعمدة وتعلوها قبة. كما نرى في تزيينات هذه القطع فنوناً مختلفة من الجصيات والمعرّق، واستخدمت في بنائها الطوب والقاشاني بنقوش وأشكال رائعة.

 

3ـ العصر البهلوي:

يصل عدد القطع المبنية في العصر البهلوي إلى 17 قطعة، أشهرها: بُروجردي، معارفي، كُلزار، مقدس، نجفي وكِرماني. وقد ازداد إنشاء قطع خاصة وأسرية من أواخر العهد القاجاري.

 

4ـ فترة الثورة الإسلامية:

بُنيت ورُمّمت في هذا العهد مراقد وأضرحة كثيرة في تخت فولاد بأساليب معمارية تقليدية وبالتزيينات القاشانية. فمرقد الستّ أمين، مرقد الشهيد شمس‌آبادي، مرقد الحاج آقا رحيم أرباب، مرقد الشهيد الأشرفي الأصفهاني، مرقد الفاضل الهندي، مرقد ملاّ إسماعيل الخاجوئي، مرقد جهانكير خان القشقائي وجبانة شهداء الثورة الإسلامية المسماة بـ«كلزار شهدا» [= بستان الشهداء] من المراقد التي تم إنشاؤها وجرى لها أعمال الصيانة. وأما كلزار شهدا، فهي مرقد أكثر من 7300 شهيد دفنوا بعد الثورة وأثناء الحرب المفروضة.

 

[1] . تُكتب بعض الكلمات في الفارسية بواو بعده الألف، مثل هذه الكلمة، لكن الواو لا تُقرأ في التلفظ.

[2][2]. وهو الذي يسمى في العربية «الخط الفارسي»، وهو على قسمين: نستعليق عادي ونستعليق مكسور. بمعنى أن الحروف تتكسر ويتصل بعضها ببعض. عندما يطلق «نستعليق» بلا قيد، فالمراد منه النستعليق العادي. ظهر هذا الخط في إيران في القرنين الثامن والتاسع الهجريين/الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين على يد مير علي التبريزي بدمج خطي النسخ والتعليق؛ ومن هنا جاءت تسميته: «نسخ التعليق» أو «النستعليق». ثم ساهم خطاطون آخرون في تطويره ومن بينهم: مير عماد حسني القزويني و ميرزا غلام‌رضا الأصفهاني الذي طوّعه لآلات الطباعة، بما ساهم في نشره. وقد ترجم الدكتور محمد ألتونجي (في ترجمة كتاب أطلس الخط والخطوط لمؤلفه حبيب الله فضائلي) «النستعليق المكسور» بـ«شِكسته نستعليق»، وهو الاسم نفسه في الفارسية.

لخط النستعليق قواعد واضحة للكتابة مثل بقية الخطوط المشرقية عموماً. وهو يتميز بمرونته، وتبدو الكلمات فيه وكأنها أكثر ارتفاعاً من الجهة اليمنى، ثم تنحدر قليلاً نحو اليسار. ويكون الإعجام واضحاً، بحيث لا يعمد الكاتب إلى دمج النقاط إلى بعضها.

[3]. تقابلها في أصفهان «تكيه» وجمعها «تكايا»، وفي باقي مدن إيران تُستخدم الكلمة نفسها. طبعاً تختلف «تكيه» في الفارسية عما يستعمل في العربية بمعنى زاوية الصوفية. فتطلق تكيه في الفارسية على مدفن محصور بجدران فيها عدد من القبور. وتسمى التكيه بالمدفون الأشهر فيه أو من أنشئت التكية له.